طاهر سليمان حموده

206

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

بيد أن ابن فارس لم يفصل القول في هذا المبحث ، ويتضح مما ذكره أن التطور الدلالي قد أدركه اللغويون القدماء مثل الأصمعي ، ولكننا لا نكاد نجد من أفرد لهذا الموضوع بحثا مستقلا ، وقد استطاع السيوطي أن يجمع في رسالته عددا كبيرا من الكلمات وأن يحدد دلالاتها الأولى . ويتضح من سرده لهذه الكلمات وتقصي دلالاتها الأولى أنها لا تخرج عما ذكرنا من تخصيص معنى عام ، أو تعميم مدلول خاص ، أو خروج عن الدلالة السابقة إلى دلالة أخرى لعلاقة رابطة بين الدلالتين أو الخروج عن ذلك كله إلى معنى جديد في قليل من الأحيان . والحق أن رد الكلمة إلى استعمالها الأول ، أو ما يمكن أن نسميه بالتاريخية في دلالات الألفاظ يتصل بمادية اللغة أو الدلالات الحسية الأولى للألفاظ باعتبارها أسبق من الدلالات المجردة ، وقد كانت هذه المادية موضع مشاحة بين اللغويين وقد تتبعها من القدماء الراغب الأصبهاني في مفرداته ، ومن المحدثين الذين أخذوا بها الأستاذ أمين الخولي إذ يصر على هذه البدايات المحسوسة في تحديده لمعاني الألفاظ وتدرجها عبر العصور التاريخية ، كما يطبق هذه الفكرة على الألفاظ التي صارت فيما بعد مصطلحات في العلوم والفنون المختلفة ، والقول بهذه البداية المادية يلائم - في الحقيقة - بين حياة اللغة وبين حياة الانسان منذ كان طفلا لا تتسع مداركه لغير المعاني المحسوسة ، ثم تدرجت حياته وارتقت لغته وأصبحت مداركه تتسع شيئا فشيئا للمعاني المجردة وللمعقولات . ويبدو مما أورده السيوطي برسالته أنه قد فطن لهذه المادية أو لبعض جوانبها ولذلك حدد كثيرا من الدلالات الأولى للكلمات على هدى من هذه الفكرة فمن ذلك « أصل العبادة الخضوع والتذلل ، أصل الطغيان الانقباض ، أصل الفسق الخروج عن الشيء أصل التلاوة الاتباع . . . أصل الظلم وضع الشيء في غير محله ، أصل الجهر الظهور ومنه المجاهرة بالمعاصي أي إظهارها ، أصل البعث إثارة الشيء من محله ، أصل المصر الحد ، . . . أصل الصوم في اللغة الامساك ، أصل اللحن في كلام العرب الطرد والابعاد ، أصل القنوت القيام ، أصل الصبر الحبس ، أصل الصفا الحجر الأملس ، أصل الحج القصد ، أصل السبب الحبل